الشيخ الأنصاري
539
مطارح الأنظار ( ط . ج )
المقلّدين في أمثال زماننا حيث إنّهم لا يختلفون في الفتاوى المنقولة عن مجتهدهم ، فإنّه كلّما يزداد بعد عهدنا عن مشكاة الإمامة ومصباح الولاية يزداد الحيرة والاختلاف فينا ؛ ولذلك قال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « أصحابي كالنجوم » « 1 » فإنّ فيه دلالة على خلاف مراد المتمسّكين به . أمّا أوّلا : فلأنّ لفظ « الاهتداء » يخالف اختلاف الهادين ، فلا بدّ من أن يكون الكلّ متّفقا في الكلمة . وأمّا ثانيا : فلأنّ التشبيه بالنجوم يفيد ذلك ، فإنّها طرق قطعيّة يتوصّل بكلّ واحد منها إلى المقصود على اختلاف أوضاع المقاصد وهيئات الكواكب . وكيف كان : فالإنصاف أنّ دعوى استقرار السيرة على جواز الرجوع إلى غير الأعلم عند العلم بالاختلاف وإمكان الرجوع إلى الأعلم - على وجه يكون شايعا معلوما للأئمّة بالعلم المعتاد المعتبر في حجّية السيرة - غير بيّنة ، ولم يقم دليل عليها أيضا ، فعهدتها على مدّعيها . وأمّا لزوم الحرج « 2 » : فإن أريد لزومه في تشخيص موضوعه ، ففيه : أنّ تشخيص الأعلم ليس بأخفى من تشخيص نفس الاجتهاد فيما هو الموصل فيه أيضا . وإن أريد لزومه من حيث الانحصار ، ففيه : أنّ الواجب حينئذ الرجوع إلى الأعلم فيمن لا يلزم منه العسر . ولا يمكن إلحاق الغير بالإجماع ، لما عرفت مرارا من أنّ التفضيل بواسطة لزوم العسر ليس تفصيلا في الحقيقة ، لحكومة الأدلّة الدالّة على نفسه على جميع الأدلّة في الأحكام الواقعية . وإن أريد أنّ فتوى الأعلم فيها عسر . ففيه : أنّ فتوى غيره أيضا قد يكون فيه العسر .
--> ( 1 ) المتقدم في الصفحة : 225 . ( 2 ) وهو رابع حجج القائلين بالجواز .